النقل الجوي في اليمن شرايين الحياة المغلقة.. أضرار بالمليارات ومأساة تعزل ملايين المدنيين

الرئيسية
محلي
النقل الجوي في اليمن شرايين الحياة المغلقة.. أضرار بالمليارات ومأساة تعزل ملايين المدنيين
منذ أكثر من عقد من الزمن، لا يزال الأفق الجوي لليمن ساحة لمأساة إنسانية غير مسبوقة في التاريخ المعاصر حيث تحول الحصار والتدمير الممنهج لقطاع النقل الجوي من مجرد خسائر مادية وهياكل مدمرة إلى حكم غير معلن بالعزلة والموت البطيء على ملايين المدنيين.
وفي وقت تكفل فيه المواثيق الدولية حرية التنقل كحق إنساني أصيل غير قابل للمساومة يجد ثلثا سكان الجمهورية اليمنية أنفسهم محاصَرين خلف أجواء مقفلة بعدما حُوّلت المطارات المدنية وعلى رأسها مطار صنعاء الدولي من منافذ للحياة إلى أهداف رئيسية للقصف المباشر والحظر الجوي المطبق من قبل العدوان السعودي.
عندما يتحول الحظر الجوي إلى عقاب جماعي فإن البُعد الأكثر إيلاماً في أزمة قطاع النقل الجوي لا يقاس بالأرقام المادية فحسب، بل بالكتلة البشرية المعذبة التي تُدفع يومياً نحو الحرمان والموت، فقد أدى قرار تعليق وتكثيف قيود الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء إلى كارثة إنسانية متسلسلة طالت كافة فئات المجتمع.
حرمان الحجاج من أداء الحج والعمرة:
شهد العام الحالي حرمان أكثر من ثمانية آلاف مواطن يمني غالبيتهم من كبار السن والمرضى من أداء مناسك الحج، نتيجة القيود والعرقلة المباشرة لتسيير الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء الدولي.
يحرم الحظر الجوي المطبق أكثر من ثلثي سكان الجمهورية اليمنية من حقهم الطبيعي في التنقل والسفر عبر مطار العاصمة السيادية صنعاء، وهو المطار الأقرب والأكثر حيوية للمحافظات ذات الكثافة السكانية العالية.
ورغم المأساة وما جرى من تفاهمات خلال الفترة الماضية، إلا أنه جرى حصر وتكبيل حركة الملاحة في وجهة واحدة فقط هي (العاصمة الأردنية عمّان)، وبعدد رحلتين أسبوعيا، مع تعطيل متعمد للوجهات المقترحة الأخرى وعلى رأسها القاهرة، مما زاد من تكاليف ومشقة السفر عبر الترانزيت على المرضى والمسافرين.
شتات المغتربين والطلاب:
تسبب استمرار القيود التي يفرضها تحالف العدوان بقيادة السعودية على المجال الجوي اليمني في عرقلة عودة آلاف المغتربين لزيارة ذويهم، وتعطيل مسارات آلاف الطلاب الأكاديمية والجامعية في الخارج.
وبحسب وزارة النقل والأشغال العامة فقد أدى استهداف وتدمير الطائرات التابعة للخطوط الجوية اليمنية، إلى جانب تدمير البنية التحتية والمرافق الخدمية للطيران المدني، إلى شلل كامل في أسطول الشركة والخدمات الملاحية وتسبب في خسائر مادية بمليارات الدولارات.
مطار صنعاء قبل 2015 مقارنة بما بعده:
قبل العدوان والحصار السعودي على اليمن عام 2015م كان مطار صنعاء الدولي مركزاً حيوياً ونشطاً يستقبل عشرات الرحلات اليومية لمختلف شركات الطيران العربية والدولية، وكان يخدم الملايين من المسافرين سنوياً بسهولة ويسر وخدمات ملاحية وأرضية راقية وفنية وبمهنية عالية.
لا مجال للمقارنة بين حركة المطار قبل العدوان وكيف أصبحت منذ العام 2022م نتيجة استمرار العدو السعودي في مماطلة الشعب اليمني في الحق المشروع في السفر فبعد أن كان المطار يشهد تسيير عشرات الرحلات يوميا أصبحت الحركة فيه تقتصر على عدد محدود جداً ومعدود من الرحلات لوجهة الأردن الوحيدة عبر الخطوط الجوية اليمنية فقط، وهو ما لا يلبي أدنى الاحتياجات الإنسانية أو العلاجية أو الاستثمارية للشعب اليمني مقارنة بالنشاط الطبيعي والسابق للمطار.
وفي هذا الصدد ذكر وزير النقل والأشغال العامة محمد قحيم أنه وخلال الوضع الطبيعي كان يسافر عبر مطار صنعاء الدولي أكثر من مليوني مسافر على أكثر من 50 ألف رحلة جوية مدنية عربية ودولية كما هو الحال في العام 2010م، بينما تراجع عدد المسافرين في العام 2023م إلى 112 ألف مسافر فقط عبر الخطوط الجوية اليمنية إلى الوجهة الوحيدة مطار الملكة علياء في الأردن.
وأكد أن الحصار الذي يفرضه النظام السعودي على الموانئ والمطارات اليمنية يمثل انتهاكاً للقوانين الدولية والإنسانية، مشدداً على ضرورة الفتح الكامل واللا مشروط لمطار صنعاء الدولي وموانئ الحديدة أمام كافة الرحلات والتجارة دون قيود.
فاتورة التدمير الممنهج بالمليارات:
أضرار وخسائر فادحة لحقت بقطاع النقل منذ بدء العدوان والحصار السعودي على اليمن عام 2015 حتى 2026م، والذي استهدف شل الملاحة المدنية بالكامل وخروج المعالم الملاحية عن الخدمة.
وبحسب الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد فقد بلغت الأضرار والخسائر أكثر من مليارين و252 مليونا و225 ألف دولار، فيما بلغت الأضرار والخسائر لشركة الخطوط الجوية اليمنية (الناقل الوطني) الناجمة عن الاستهداف المباشر وقصف طيران العدو للطائرات والمنشآت والمرافق التشغيلية التابعة للشركة أكثر من مليارين و881 مليونا و461 ألف دولار.
ووفقا للإحصائيات آنفة الذكر فقد بلغ الإجمالي التراكمي للخسائر المباشرة وغير المباشرة التي تكبدها قطاع الطيران والقطاعات المرتبطة به نتيجة العدوان والحصار أكثر من خمسة مليارات دولار.
وأشار تقرير لوزارة النقل والأشغال إلى أن طيران العدو استهدف بشكل متكرر البنية التحتية والمدرج الرئيسي والفرعي للمطار، وصالات المغادرة والوصول، ومبنى الترحيل، ومنظومة الإرشاد الملاحي، وأجهزة الرادار والاتصالات بالإضافة إلى مطارات تعز، الحديدة، صعدة، البيضاء، والتي تعرضت لتدمير بنيوي شامل أدى إلى خروج غالبيتها عن الخدمة التشغيلية إلى جانب قصف مباني المعهد، وتدمير العديد من الطائرات المدنية منها (طائرتي شحن، وطائرتين تتبعان طيران السعيدة) أثناء ربوضها في مرسى المطار.
جهود ذاتية لتأهيل المطار:
أمام هذا التدمير العارم، نجحت الكوادر والخبرات والكفاءات الوطنية في الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد في إعادة تأهيل واستعادة الجاهزية التشغيلية بالحد الأدنى لمطار صنعاء الدولي بتمويلات وجهود ذاتية.
كما أعادت الهيئة جاهزية المطار الفنية للعمل على مدار 24 ساعة لاستقبال كافة الرحلات وفقاً لاشتراطات منظمة الطيران المدني الدولية (الإيكاو).
مطالبات عاجلة للمجتمع الدولي:
وجدد وزير النقل والأشغال العامة التأكيد على ضرورة الفتح الكامل والشامل لمطار صنعاء الدولي دون أي شروط أو قيود، وتسيير رحلات جوية مباشرة لمختلف الوجهات الدولية.
ودعا شركات الخطوط الجوية العربية والدولية لتسيير رحلاتها الى مطار صنعاء الدولي بحرية تامة كما كان قبل العدوان السعودي على اليمن، والتي ستلقى كافة الخدمات الأرضية والملاحية وفقا للاشتراطات المعمول بها في المطارات العالمية ومنظمة الطيران المدني الدولي.
وأكد الوزير قحيم على ضرورة تمكين الناقل الوطني ممثلا بشركة الخطوط الجوية اليمنية من العمل بكامل طاقتها التشغيلية وتسهيل مبيعات التذاكر دون إجراءات تعسفية وبحيادية تامة بما يضمن تقديم خدمات إنسانية للشعب اليمني قاطبة دون تمييز.
وجع منسي خلف الأسوار المغلقة:
لم تعد الحكاية في اليمن مجرد أرقام تُتلى في المؤتمرات الصحفية، بل غدت مأساة حية تُكتب فصولها المعذبة كل يوم في أجساد الآلاف من المصابين بالأمراض المستعصية والمزمنة الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين مطرقة الآلام الناتجة عن تدهور المنظومة الصحية، وسندان الحصار السعودي وإغلاق مطار صنعاء الدولي لأكثر من عقد ونيف.
حقائق مفجعة كشف عنها رئيس اللجنة الطبية العليا بصنعاء الدكتور مطهر الدرويش، تعكس حجم الوجع المنسي خلف الأسوار المغلقة، مؤكدًا أن سجلات اللجنة وحدها تضم أكثر من 200 ألف حالة مرضية تنتظر فرصة الرحيل بحثًا عن جُرعة أمل أو علاج في الخارج، غير أن المفارقة المؤلمة تمثلت في أن 40 في المائة من هؤلاء المسجلين قد فارقوا الحياة بالفعل وهم ينتظرون فتح أبواب المطار التي طال إغلاقها.
تتضاعف قسوة هذه المعاناة بشكل خاص لدى مرضى السرطان، والفشل الكلوي، وأمراض الكبد، فضلاً عن المصابين بأمراض السكر والضغط والقلب؛ فهؤلاء لا يملكون ترف الوقت، وكل يوم يمر دون تلقي الرعاية المتخصصة أو توفر المستلزمات الطبية الإسعافية ينقص من أعمارهم شيئًا فشيئًا.
فمع تدهور المنظومة الطبية داخل البلاد نتيجة نقص الأدوية التخصصية والأجهزة الحديثة، أصبحت رحلة العلاج الخارجي هي طوق النجاة الوحيد، إلا أن الشريان الجوي الأساسي للبلاد مطار صنعاء ظل مغلقًا ومقيدًا، مما فرض على المرضى خوض رحلات برية شاقة وخطيرة عبر الطرق الوعرة نحو المطارات الأخرى.
رحلات البر.. عبور نحو الموت:
تصف التقارير الطبية الطرق البرية بأنها “رحلة عذاب” لا يطيقها الأصحاء، فكيف بمرضى الأورام والكبد الذين أهلكهم المرض؟، إذ تشير التقديرات إلى أن نصف الحالات المرضية لا تستطيع صحيًا تحمّل ويلات السفر البري، ويتعرضون للموت الفعلي قبل منتصف الطريق.
ولم تقف العقبات عند حد الجسد المنهك بل تعدتها إلى العبء المالي المهرق، حيث باتت تكاليف التنقل البري الباهظة تُشكل حائلًا آخر يمنع أكثر من 45 ألف مريض من ذوي الحالات المستعصية من السفر، لكونهم لا يملكون القوت الضروري، فضلاً عن تكاليف رحلة علاجية مكلفة.
صرخة إنسانية إلى الضمير العالمي:
إن المشهد في اليمن اليوم ينادي الضمير الإنساني والمجتمع الدولي بمختلف مؤسساته ومنظماته؛ فآلاف العائلات لم تعد تطالب بغير حقها الطبيعي والأصيل في الحياة والتداوي، وفتح المطار أمام الحالات الحرجة والعالقة في الخارج التي تنتظر الفرج للعودة إلى ديارها.
وفي مقابل كل ذلك التجاهل تظل هذه المأساة شريطًا متواصلًا من الفقد والحرقة داخل كل بيت يمني؛ حيث يراقب الآباء والأمهات أبناءهم وهم يذبلون رويدًا رويدًا، في انتهاء صارخ لكل المبادئ والقوانين الإنسانية، متسائلين: إلى متى يظل حق المريض في العلاج والسفر مرهونًا بالمواقف والقيود؟

