رسائل تشييع السيد الخامنئي: استفتاء شعبي لاستمرار نهج الثورة وإخفاق عزل إيران

رسائل تشييع السيد الخامنئي: استفتاء شعبي لاستمرار نهج الثورة وإخفاق عزل إيران
لم يكن تشييع المرشد الأعلى السابق لإيران، السيد علي الخامنئي، مجرد وداع لقائد، بل كان استفتاءً شعبيًا مفتوحًا على استمرار نهج الثورة الإسلامية، وإعلانًا صريحا بفشل مشروع عزل إيران. فالمشاركة المليونية في التشييع، داخل البلاد وخارجها، عكست المكانة التي احتفى بها في وجدان الأمة، فيما حمل التشييع رسائل واضحة: إن الاغتيال لم يضعف الدولة بل زادها تماسكًا، وأن نهج الثورة الإسلامية ليس رهنا برجل، بل مشروع شعب يتجاوز الأشخاص.
لقد تحول التشييع إلى مشهد سياسي وشعبي واسع حمل رسائل تتجاوز حدود مراسم الوداع من الحضور الجماهيري الحاشد والمشاركة الدولية الواسعة إلى التأكيد أن اغتيال قائدها لن يغيّر مسار الثورة الإسلامية، بل سيعزز وحدة الشعب الإيراني، ويرسخ استمرار نهج المقاومة والاستقلال، ويوجه رسالة إلى العالم بأن إيران ماضية في سياساتها وثوابتها رغم كل التحديات.
الوحدة الوطنية
وتعكس مجمل المواقف الرسمية الإيرانية أن مراسم تشييع السيد علي الخامنئي لم تقتصر على وداع قائد الثورة، بل تحولت إلى مناسبة لإبراز الوحدة الوطنية، وتعزيز الحضور الدولي لإيران، حيث أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال المؤتمر الدولي “الإمام الخامنئي: القائد الخالد للمقاومة” مساء السبت، أن وحدة الأمة الإسلامية تمثل السبيل الأمثل لمواجهة جرائم وتدخلات الأعداء في المنطقة، مشددًا على أن التفاف المسلمين حول تعاليم الإسلام كفيل بمنع أي قوة من الاعتداء على الدول الإسلامية أو استهداف أمنها واستقرارها.
ورأى بزشكيان أن المشاركة الواسعة للشخصيات والوفود القادمة من مختلف أنحاء العالم في مراسم وداع السيد علي الخامنئي تعكس مكانته بين الشعوب الحرة، معربًا عن أمله في أن يشكل هذا الحضور منطلقًا لتعزيز التضامن بين الدول الإسلامية في مواجهة الإرهاب وسياسات الهيمنة، مشددًا على أن الوحدة الإسلامية كانت الركيزة الأساسية في فكر السيد علي الخامنئي، داعيًا إلى تجاوز الخلافات المذهبية والعرقية، وتحويل شعار الوحدة إلى ممارسة عملية لمواجهة التحديات التي تواجه العالم الإسلامي.
ووجه بزشكيان انتقادات حادة إلى الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، محملًا إياهما مسؤولية زعزعة استقرار المنطقة، ومتهمًا الكيان الصهيوني بتنفيذ عمليات اغتيال تستهدف العلماء والنخب والشخصيات المؤثرة في دول المنطقة، بهدف إضعاف المجتمعات الإسلامية، مؤكدا أن استشهاد السيد علي خامنئي لن ينهي مسيرته، بل سيبقي فكره حاضرًا في وجدان الأمة، قائلاً: “لم ولن أودع القائد الشهيد، إنه حي في قلبي وعقلي، وسيظل كذلك”، مضيفًا أن الحكومة ستواصل العمل لتحقيق مبادئ الثورة وتعزيز الوحدة الإسلامية والاستقلال والعدالة.
الحضور الدولي
وفي الإطار الدبلوماسي، أشاد وزير الخارجية، عباس عراقجي، بمشاركة ممثلين من أكثر من 70 دولة في مراسم التشييع، معتبرًا أن هذا الحضور التاريخي يجسد عمق علاقات إيران الدولية، ويؤكد المكانة التي يحظى بها السيد علي الخامنئي على الساحة العالمية، ولا سيما مع مشاركة وفود عربية وشخصيات رسمية ودينية وثقافية.
ومن جانبها، أكدت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، أن الحضور الجماهيري الكبير في مراسم التشييع يمثل أحد أبرز مظاهر قوة إيران ووحدتها الوطنية، مشيرة إلى أن التنظيم الواسع للمراسم عكس جاهزية مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة حدث استثنائي بهذا الحجم.
وأبرزت المراسم، التي شهدت حضورًا جماهيريًا واسعًا ووفودًا رسمية من عدد من الدول والقوى الحليفة، رسالة مفادها أن رحيل خامنئي لن يؤدي إلى فراغ في السلطة، وأن مؤسسات الجمهورية الإسلامية قادرة على إدارة مرحلة انتقال القيادة بسلاسة.
كما اعتُبر التنظيم الواسع للمراسم وإظهار الحشود رسالة تؤكد قدرة الدولة على الحشد والحفاظ على الاستقرار رغم التحديات الداخلية والخارجية.
وأكد المتحدث باسم الجيش الإيراني، العميد محمد أكرمي نيا، أن أي خطأ قد يرتكبه الأعداء سيقابل برد حاسم من القوات المسلحة، مشددًا على أن إيران تستثمر فترة وقف إطلاق النار لتعزيز قدراتها الدفاعية، وأن الحشود التي شاركت في مراسم التشييع تمثل رسالة واضحة على تماسك الشعب الإيراني واستعداده لمواصلة نهج الثورة والمقاومة.
بدوره أشار المجلس الأعلى للأمن القومي، في منشور على منصة “إكس” إلى الحشود الجماهيرية الهائلة في مراسم الوداع وتشييع قائد الثورة الإسلامية الشهيد، قائلاً: «ركّزوا أعينكم على إيران في هذه الأيام القليلة القادمة؛ فهذه هي إيران التي ظننتم أنكم تستطيعون إسقاطها في غضون أيام قليلة.»
وأضاف: “هذا البحر الهادر من الجماهير يهتف الآن، في وداع وتشييع قائدهم، بشعارين: المقاومة في وجه الأعداء، والثأر لدم قائد إيران الشهيد.”
سقوط رهان العزل
من جهته، شدد قائد القوات البحرية للحرس الثوري الاسلامي، الادمیرال علي عظمائي، على مواصلة مسيرة قائد الأمة الشهيد بكل قوة، متمسكين بمبادئ الشهداء، قائلاً: إن الانتقام الإلهي من أمريكا الإرهابية والكيان الصهيوني اللقيط ليس ببعيد.
وفي مؤشر على اتساع دائرة الحضور الدولي في مراسم الوداع أبرزت وسائل إعلام غربية واجنبية مشاركة وفود وشخصيات سياسية وثقافية وإعلامية من عدة دول وعدد من دول أمريكا اللاتينية، حيث نشرت وزارة الخارجية الإيرانية أعلام الدول المشاركة في مراسم التشييع، في خطوة هدفت إلى إبراز حجم التمثيل الدولي.
ومن هنا سقطت رهانات عزل طهران دبلوماسيًا، بعدما أخفقت الضغوط الأميركية في منع مشاركة عدد كبير من الدول والشخصيات الرسمية في مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية في إيران، السيد علي خامنئي.
وشنّت الولايات المتحدة، خلال الأيام الماضية، حملة واسعة على أعلى المستويات» لثني الدول عن المشاركة في مراسم تشييع القائد الأعلى في إيران، وبحسب وكالة «تسنيم» الإيرانية للأنباء، فقد أصدر وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في 26 يونيو الماضي، توجيهاً سرياً إلى جميع السفارات والبعثات الدبلوماسية الأميركية، جاء فيه أن «جميع متلقي هذا التوجيه ملزمون باستخدام مختلف إمكانات الولايات المتحدة لإقناع مسؤولي الدول المضيفة بأن مشاركة بلدانهم في مراسم تشييع قائد إيران ستُعدّ، من وجهة نظر الولايات المتحدة، خطوة غير ودية، وستكون لها تداعيات سلبية على العلاقات الثنائية مع واشنطن».
كما نقلت الوكالة عن دبلوماسيَّين غربيَّين، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما، قولهما إن روبيو أجرى شخصياً اتصالات مع نظرائه فيما لا يقلّ عن خمس دول عربية بشأن هذا الملف، مضيفًا أن سفراء الولايات المتحدة في عدد من الدول الأفريقية لوّحوا صراحةً بإمكان وقف المساعدات التنموية الأميركية لتلك الدول في حال شاركت في مراسم تشييع القائد الإيراني»، مشيراً إلى أن «قرار إحدى الدول المهمة في شمال أفريقيا خفض مستوى تمثيلها في المراسم جاء نتيجة مخاوف من انعكاسات ذلك على علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة».
وبحسب تقييمات «تسنيم»، فإن «ما لا يقل عن 13 دولة، بينها ثلاث دول في أوروبا الشرقية، وخمس دول أفريقية، ودولتان عربيتان من منطقة الخليج، ودولتان مهمتان في شرق آسيا، عدلت عن المشاركة في مراسم التشييع نتيجة الضغوط الأميركية. كذلك، أشار المصدر إلى أن بعض الدول التي قررت عدم المشاركة بسبب الضغوط الأميركية بعثت رسائل اعتذار وتبرير عبر وسطاء أو من خلال بعثاتها الدبلوماسية في جنيف ونيويورك، فيما رشحت دول أخرى دبلوماسييها الموجودين في طهران للمشاركة في المراسم، إلا أن إيران لم توافق على ذلك».
وفي هذا السياق، أكدت الخبيرة السياسية في الشرق الأوسط، ليلى حاطوم، ، أن الغرب عندما يحاول عزل إيران يفشلون، وعندما يمارسون الضغوط على شعوب العالم وقادتها لمنعهم من الحضور يفشلون، وعندما يحاولون الضغط على الأقل على الحلفاء الإقليميين لعدم الحضور يفشلون، وعندما يحاولون الضغط على أضعف دولة حاليًا في الشرق الأوسط، وهي لبنان، لمنعها من الحضور، يحضر لبنان أيضًا على المستوى الرسمي وعلى المستوى الشعبي.
ولفتت حاطوم إلى أن كل هذا يشير إلى أمر واحد: عليهم أن يتقبّلوا الواقع بأن العالم يرفض هذه الهيمنة، وأن إيران استطاعت بصمودها أن تكسر هذه الهيمنة، وأن تفضح أيضًا الوجه الحقيقي لتحالف الشر الأمريكي الإسرائيلي.
وتتواصل مراسم الوداع والتشييع في طهران وسط حضور جماهيري متزايد، في مشهد يعكس استمرار التفاعل الشعبي الواسع لقائد الثورة الإسلامية الشهيد في مصلّى الإمام الخميني بطهران.
التشييع الإقليمي
وافادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء أنه قد انطلق اليوم الثاني من مراسم الوداع والتشييع لقائد الثورة الإسلامية الشهيد في مصلّى الإمام الخميني (قدس سره) بطهران، وفيما انقضت الصلاة على الجثامين الطاهرة للشهداء، لا يزال فيض الجموع يتدفق نحو مكان المراسم؛ مضيفة أنه منذ باكر اليوم، توافدت شرائح الشعب المختلفة من شتى أنحاء البلاد إلى مصلّى الإمام الخميني، لتشهد مراسم وداع قائد الثورة الإسلامية الشهيد وتشييعه.
وأُقيمت صلاة الجنازة على جثمان الشهيد القائد وأفراد أسرته، صباح اليوم الأحد، بإمامة آية الله السبحاني، وبحضور جماهيري حاشد وأبناء القائد الشهيد الثلاثة، ومسؤولين، وقادة عسكريين، وشخصيات محلية ودولية، في مصلى الإمام الخميني (رحمه الله) في العاصمة الإيرانية طهران.
من جهتها أعلنت هيئة الحشد الشعبي، اليوم الأحد، عن تفاصيل ومسار موكب تشييع جثمان المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي، المقرر وصوله إلى مدينة كربلاء المقدسة يوم الأربعاء المقبل.
وتأتي محطة كربلاء المقدسة ضمن الرحلة الأخيرة لجثمان السيد الخامنئي، حيث من المقرر أن يوارى الثرى يوم الخميس القادم في مدينة مشهد الإيرانية، وذلك عقب مراسم تشييع كبرى انطلقت من طهران، ثم إلى مدينة قم، وصولاً إلى العراق.
وتعكس المشاركة الشعبية الواسعة والحضور الدولي المتنوع رسالة مزدوجة مفادها أن محاولات عزل طهران لم تُحقق أهدافها، وأن موقع إيران الإقليمي والدولي ما يزال حاضرًا بقوة.
وفي المحصلة، يبرز التشييع كحدث أعاد تثبيت خطاب الاستمرارية في نهج الثورة، وأكد أن أي تغيّر في القيادة لا يعني بالضرورة تغيّرًا في المسار السياسي العام للجمهورية الإسلامية


